ابن كثير
221
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أكذب ، فأبوا ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ أي بعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك [ فيقال ] « 1 » لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات . وقال الضحاك عن ابن عباس : فتمنوا الموت فسلوا الموت . وقال عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة قوله : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . قال : قال ابن عباس : لو تمنى يهود الموت ، لماتوا . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا عثام : سمعت الأعمش قال : لا أظنه إلا عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه ، وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس . وقال ابن جرير « 2 » في تفسيره : وبلغنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا » ، حدثنا « 3 » بذلك أبو كريب ، حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا عبيد اللّه بن عمرو عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد الرقي ، حدثنا فرات عن عبد الكريم به . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه بن بشار ، حدثنا سرور بن المغيرة ، عن عباد بن منصور ، عن الحسن ، قال : قول اللّه : ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم ، قلت : أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم تمنوا الموت أتراهم كانوا ميتين ؟ قال : لا واللّه ما كانوا ليموتوا ولو تمنوا الموت ، وما كانوا ليتمنوه ، وقد قال اللّه ما سمعت وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وهذا غريب عن الحسن . ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية ، هو المتعين وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة ، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم اللّه تعالى . ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجمعة : 6 : 7 : 8 ] فهم عليهم لعائن اللّه تعالى ، لما زعموا أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، قالوا : لن يدخل الجنة إلا من كانوا يهودا أو نصارى ، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم أو من المسلمين ، لما نكلوا عن ذلك ، علم كل أحد أنهم ظالمون ، لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه ، لكانوا أقدموا على ذلك ، فلما تأخروا ، علم كذبهم
--> ( 1 ) الزيادة من سيرة ابن هشام 1 / 542 . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 469 . ( 3 ) هذا إسناد ابن جرير الطبري .